think-tank-pic2

كلما أردت الكتابة في هذا الموضوع أجد نفسي في حرج شديد، لأن بعض المنتمين إلى مراكز البحوث وبعض المعنيين في العراق هم أصدقاء. لا أريد أن أعرّض بأحد فهم جميعاً أعزاء ومحترمون، ولكنْ صديقك من صدقك

هنا في واشنطن تمثل مراكز البحوث عصب الحياة الفكرية والمعلوماتية للسياسة الأميركية، ولها تأثير كبير على صناع القرار وعلى الرأي العام. تُنفق عليها مئات الملايين من الدولارات سنوياً ويعمل فيها أهم أصحاب الخبرة والكفاءة الأكاديمية. لذلك تجدها تمثل مصدر المعلومة داخل أميركا وخارجها، إذ نرى غالباً لجوء وسائل إعلام عراقية إلى مراكز بحوث في واشنطن لتعمل تقريراً رصيناً عن العراق. والسؤال هنا؟ ألا يفترض أن يكون العكس صحيحاً، فتأتي قنوات العالم لتبني تقاريرها على ما تنتجة مراكز البحوث في العراق؟

الجواب واضح. ليس بين مراكز البحوث العراقية مركز واحد يمتلك القدرة والسمعة الأكاديمية والرصانة، وأهم من ذلك كله، البحوث الجادة المكتوبة بلغات أجنبية، ليكون أهلاً للاعتماد عليه من قبل وسائل الإعلام ومراكز البحوث الغربية. ما يسمى بمراكز البحوث في العراق هي دكاكين صغيرة وليست مراكز بحوث، بالمعنى العالمي للكلمة

الدولة العراقية ليس لديها مركز بحوث رصين واحد، وهذا لا يليق بالعراق. كنت قد عرضت على صديقي الدكتور نوفل الحسن، نائب مدير مكتب رئيس الوزراء، أن أؤسس للعراق مركز بحوث على مستوى وطراز عالميين وأربطه معرفياً بمراكز واشنطن ولندن وبقية العواصم الكبرى، بحكم خبرتي مع مراكز البحوث التي تمتد إلى 20 عاماً وعلاقات العمل التي تربطني بعدد كبير منها. كان ذلك في العام 2014، وأعدت عليه العرض في العام 2015 والعام 2016. وقد وافق ووعدني باتخاذ الخطوات اللازمة لكنه لم يتخذ أي خطوات عملية ولم يحول الملف إلى واحد من الذين يعملون معه، إذا كان مشغولاً، ليتابعه معي نيابة عنه

الأنكى من ذلك هو أن رؤساء الحكومة العراقية، في عهودها جميعاً منذ العام 2003، يمارسون سياسة الباب المفتوح مع الباحثين الغربيين ويتحببون إليهم، ولكنهم لا يرحبون بالباحث العراقي المقيم في الخارج ولا يتواصلون معه، خصوصاً إذا كان مستقلاً ومهنياً. بل ولا يردون على اتصالاته. هذا ما أكده لي عدد من الزملاء الذين يعملون في أميركا وأوربا من العراقيين، وهي تجربتي الشخصية أيضاً. في حين تجدنا موضع ترحيب الحكومات الغربية التي تعتبرنا خبراء من طراز خاص لما نمتلكه من المعرفة بالشرق الأوسط لغة وثقافة وتاريخاً، تلك المعرفة التي صقلتها سنوات طويلة من التجربة والتدريب والدراسة والعمل في البحث العلمي في الغرب

مراكز بحوث أخرى في بغداد وبعض المحافظات كنت قد تحدثت مع القائمين عليها وعرضت عليهم أن أساعدهم في الوصول إلى العالمية. لكنهم لم يكونوا على درجة من الجدية للسير في هذا الأمر، وبعضهم تحجج بفقدان القدرة المالية أو فقدان الصلاحيات للقيام بهذا المشروع. وبعضهم يريد منك أن تذهب إلى العراق على نفقتك الخاصة لتناقش معه إمكانية التعاون، بدلاً من أن يأتي هو أو يدعوك بشكل رسمي، كما هو معمول به في كل الدول. وآخرون ذهبت إليهم خلال زياراتي إلى العراق، فوجدتهم في وادٍ والواقع العملي في وادٍ آخر

ثمن هذا التقاعس من قبل الحكومة العراقية ومؤسسات البحث الأخرى هو الآتي

 أولاً: كل ما يكتب عن الشأن العراقي ويؤثر في الرأي العام العالمي تكتبه مراكز بحث أجنبية عدد لا بأس به منها ممول من دول في المنطقة معادية للعراق أو منافسة له

ثانياً: ضطرار خيرة العقول العراقية والباحثين العراقيين إلى العمل في هذه المراكز الأجنبية والعربية ومداراة مموليها على حساب حريتهم وخياراتهم الشخصية والمهنية

 ثالثاً: حويل مراكز البحوث العراقية (إذا جازت لنا تسميتها هكذا) إلى دكاكين صغيرة تستقطب باحثين غير مؤثرين ولا يمتلكون الخبرة والقدرة المنهجية واللغوية والأكاديمية، يعينون تبعاً للأسلوب المحاصصاتي الفاسد ذاته الذي تتبعه الدولة، أو لأنهم مقربون من هذا وذاك من الساسة الأميين والساسة الفاسدين، مع استثناءات قليلة غير مؤثرة على المحصلة النهائية

 رابعاً: لا تجد وأنت تتابع ما يكتب عن العراق أثراً لمعلومة مصدرها مراكز البحث العراقية هذه، الأمر الذي يعطي العالم انطباعاً أن العراق بلد ميت فكرياً وليست فيه عقول تستطيع أن تنتج معرفة وتحليلاً ناضجاً

 خامساً فقدان العراق لفرصة التحكم في المعلومة وتصحيح الخطأ، أو التزوير المتعمد أحياناً، الذي تنتجه هذه المؤسسات فيما يخص الشأن العراقي

هذا ليس منشوراً للهجوم على أحد، بل هو استمرار للدعوة إلى التعاون مع أصحاب القرار (المخلصين منهم في الحكومة وخارجها) لتصحيح هذا الوضع الشاذ الذي لا يليق بالعراق. ليكن هدفنا، على المدى القريب، بناء مركز بحوث عراقي واحد على مستوى عالمي

مراكز البحوث في العراق: أين؟ وإلى أين؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *